(احتكرَ اليهودُ جنةَ ربِّ العالمين فهلْ يستهجنُ أن يحتكروا فلسطين)
بتاريخ: 2018-07-31 الساعة: 10:15 بتوقيت جرنتش

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

(احتكرَ اليهودُ جنةَ ربِّ العالمين فهلْ يستهجنُ أن يحتكروا فلسطين)

 

]وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [

المائدة (18)

استهجن بعض الناس أن تبلغ العنصرية بالاحتلال دركةً يُعلنون فيها قانون القومية؛ أيْ قانون دولة الشعب الواحد، بما يعني حقَّ أيِّ يهوديِّ في الأرض أن يجيءَ للعيش في فلسطين، وفي ظلِّ الدولة الصهيونية التي لم تُعْرَفْ حدودها بعدُ، غيرَ أنهم يَحْلُمُون أن تكون جغرافياً من الفرات إلى النيل، واقتصادياً وأمنياً بحدود الشرق الأوسط الكبير، ونفوذاً وتبعيةً في العالم كلِّه، كما يعني أن من حقِّهم أن يطردوا غير اليهود منها، وما التهويد في القدس الكبرى، وزحف الاستيطان في الضفة، والتشبُّتُ بالأغوار؛ إلا ترجمةٌ لهذه العقيدة الجارية على الأرض من قبل أن يصدر القانون بعشرات السنين.

ويبقى السؤال: ما الداعي إلى صدور هذا القانون الذي يفضح ما في صدور الصهاينة من العنصرية والأنانية، وعنها يكون صدور السلوك منهم على الأرض؟!

يبدو أن الصهاينة يُحِسُّون بِدُنُوِّ آجالهم على هذه الأرض، ويَسْتَبِقُون الزمن؛ لعلهم يَسْتَبْقُون كيانهم مزيداً من الوقت قبل مجيءِ النهاية الحتمية التي لا ريبَ فيها، وما دَرَوْا أنهم بذلك يتعجَّلون تلك العاقبة الوخيمة التي نُتَبِّرُ فيها ما عَلَوْا تتبيراً؛ فإن اضطهاد الناس، واستفزازهم من ديارهم، يستنفرُ فيهم طاقة المقاومة، والدفاع عن العِرْض والأرض، وإلَّا كيف نفسِّر إقدام عشرات الشباب على المقاومة بالسكاكين، وهم يعلمون أن مصيرهم الشهادة، أو الاعتقال واللُّبْثُ في السجن المزيد من السنين، وربما قَضَوْا بقية أعمارهم مُعاقين؟!!.

إن آية المقال تخبرنا عن زعم كلٍّ من اليهود والنصارى بأنهم أبناء الله وأحباؤه؛ أيْ أنهم أَعِزَّاءُ على الله كَعِزَّةِ الابن عند الأب، أو أن اليهود لمَّا قالوا: (عُزَيْرٌ بن الله)، وأن النصارى حين قالوا: (المسيح بن الله)، صار كلُّ فريق يرى نفسه منتسباً إلى ابن الله، فأصبحوا بذلك أبناءَ الله وأحباءَه، فهم جنسٌ فوق البشر نسباً، وعلى الناس أن يَذِلُّوا لهم، وأن يستشعروا السعادة والشَّرف بخدمتهم – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-.

وقبل أن أتتبَّعَ ما نتج عن هذه العقيدة الفاسدة من آثارٍ أودُّ أن أستكمل تأويل آية المقال، وفيها ذلك السؤال: (قل فَلِمَ يعذبكم بذنوبكم؟!)؛ إذْ جرتِ العادة أن الأبَ يحنو على أبنائه؛ حتى لو وجد منهم العُقُّوق، وأن المحبَّ يصفح عمن يحبهم؛ مهما صدر منهم من الخُرُوق أو المُرُوق، أمَّا حين يأخذهم بذنوبهم أَخْذَ عزيزٍ مقتدر فمعناه أنهم عبيده، يعاملهم كما يعامل سائر خلقه، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وقد أغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسَلَّط عليهم المجوس، والرومان، وأذاقهم الهوان بالقتل، والأَسْر، والتشريد، ويكفي في اليهود أنه جعل منهم القردة والخنازير، وضرب لهم المثل بالكلاب والحمير!!.

إن الله عزوجل يغفر لمن تاب من الكفر فَضْلاً، ويعذب من مات على الشرك عَدْلاً، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، وفيه دحضٌ لأسطورة بُنُوَّةِ أحدٍ لله؛ إذْ لا يستقيم أن يكون أبناء أحدٍ مماليكَ عنده، فالمملوكية والرِّقُّ مع البنوة والمحبة نقيضان لا يجتمعان، وبينهما بُعْدُ المشرقين، وقد ختم الآية بتأكيد المصير إليه؛ فإن إلى ربِّك الرُّجْعى، وإن إليه إيابَهم، ثم إن عليه حسابَهم، فإن المصير فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذوي القربى من بني هاشم وغيرهم أن يأتي الناس يوم القيامة بأعمالهم، وأن يأتوا هم بأنسابهم؛ فإنه لا يغني عنهم من الله شيئاً، كما لا يغني عن ( فاطمةَ بنتِ محمد) شيئاً.

وقد كان من آثار تلك العقيدة الفاسدة أن قالوا: (كونوا هُوداً أو نصارى تهتدوا)، وأنه (لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ، (ولن يدخل الجنة إلا مَنْ كان هُوداً أو نصارى) ، والمعنى في هذه الآيات أن اليهود قالوا: كونوا هُوداً تهتدوا، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وأن النصارى قالوا: كونوا نصارى تهتدوا، ولن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً؛ فإن اليهود قالت ليست النصارى على شيءٍ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيءٍ، فكلُّ طائفةٍ تعتقد كُفْرَ الأخرى، بل داخل الطائفة الواحدة هناك شِيَعٌ وأحزاب، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وما بعضهم بتابعٍ قِبْلَةَ بعض.

ولا تعجبْ أن يقول اليهود، لن تمسَّنا النار إلا أياماً معدودة، أو أياماً معدوداتٍ، الأمرُ الذي أغراهم أن يكتبوا الكتاب بأيديهم، ثم يقولوا: هذا من عندا لله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً؛ بما أنهم أحرصُ الناس على حياة، ولهذا فقد دعاهم إلى المباهلة؛ بأن يتمنوا الموت إنْ كانوا صادقين بأنهم أولياءُ لله من دون الناس، وأن لهم الدار الآخرة عند الله خالصةً من دون الناس؛ ولن يتمنوه أبداً بما قدَّمتْ أيديهم، وهم يرون أن الله قد أذاقهم عذاب الخِزْيِ في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذاب، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

 

ولعنة الله على الكاذبين المجرمين، وعلى المحتلين والمحتالين.

 

 



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب محمد جمال نعمان النتشة

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية