بُنْيانُ المصالحةِ ينهار، والبُنْيانُ المرصوص هو الخيار
بتاريخ: 2017-12-27 الساعة: 08:42 بتوقيت جرنتش

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( بُنْيانُ المصالحةِ ينهار، والبُنْيانُ المرصوص هو الخيار )

 

]وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ   [

التوبة (12، 13)

أضحى من شبه المؤكد أن السلطة المسماة بالفلسطينية متمثلةً في شخص زعيمها الذي استخفَّ مؤيِّديه، فأطاعوه، لا ينوي أن يرفع شيئاً من الإجراءات الانتقامية التي صَبَّها على غزةَ؛ بل إن الأحوال تزداد سوءاً كلما امتدَّ الزمن؛ حتى أمسى حال أكثر الناس كمن كان يدعو ربَّه بالفرج، فلما زاد بلاؤه أدرك أنه كان في فرجٍ كبيرٍ وهو لا يدري، ولذلك فقد بقيتِ المعابر مغلقةً، وحين تُفْتَحُ لأيامٍ معدودة، قد لا تتجاوز ثلاثة أيام، بعد شهرين أو يزيد من الانتظار؛ فإن الفوضى والعَنَتَ الذي يكتوي به الناس يجعلهم يترحمون على الأيام التي قد خلت من قبل، ولا زلنا حديثي عهدٍ بها، فإذا الْتفتنا إلى المعبر التجاري؛ حيثُ كان المأمول أن يُكْتَفَى بالجمارك التي تُجبى بالعُدْوة القُصْوى منه؛ لينعكس هذا رَخاءً في الأسعار؛ إذا بها تُؤْخَذُ أضعافاً مضاعفة، وقِسْ على ذلك بقية الإجراءات الإجرامية؛ من الدواء، والكهرباء، وغيرها.

إن الزعيم المذكور، ومَنْ حوله من الذكور، يظنون أن ابتزاز حماس، والفصائلَ الأخرى، في الحاجات الإنسانية للناس، قد يُفضي إلى القبول تحت الضغط؛ للوصول إلى ما يصفونه بالتمكين، بتسليم أسلحتهم في مقابل شطر الراتب، والتحسُّنِ النسبيِّ في الحاجات الإنسانية، وأنا أعتقد أنهم إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون.

إن الآيتين في ناصية المقال قد جاءتا علاجاً لمن نقض تلك الفرصة التي مُنِحَتْ لمن بقي على كفره من العرب بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد أعطي جميعهم مهلة أربعة أشهر يتحركون في الحجاز آمنين، سواء كان بيننا وبينهم عهد تنتهي مدته دون الأشهر الأربعة، أو لم يكنْ له عهدٌ أصلاً، ومن كان عهده أبعدَ من ذلك فَمُهْلَتُهُ إلى مدته، كما قال تعالى: " فما اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ " التوبة (7)

ثم علَّل الأمر بمطاردتهم بعد انتهاء مهلتهم بأنهم إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلَّاً ولا ذمةً، يُرضونكم بأفواههم، وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون، وأنهم هم المعتدون، ولذلك فإن هذه السياسة قد تُؤتي أُكُلَها؛ فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فحالئذٍ يكونون إخوانكم في الدين، فيكون الاختلاف والخصام قد زال، وناب مَنَابَه الوفاق والوئام.

ولكنْ ماذا لو حملهم الغرور على نقض العهد قبل مُضِيِّ المهلة الممنوحة، وطعنوا في دينكم، ولو بعدم مشروعية امتلاك السلاح، ومنع دفع المحتل الصهيوني عن أنفسنا ومقدساتنا؛ كما نقضت قريش صلح الحديبية، فكان سبباً في زوال ملكها؟

إن الآية الأُولى تجيب عن السؤال بأنه لا مفرَّ ساعتئذٍ من الصِّدام، وهي تأمرنا أن نقاتل أَئِمَّتَهم، ومفهومه عدم الاشتباك مع الأتباع والأنصار، وقد علَّل استهداف سادتهم وكبرائهم بأنهم لا أيمان لهم ولا عهود، خاصة بعد أن الْتحقوا باليهود، فصاروا أمثالهم، كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم، فهم ينقضون عهدهم في كلِّ مرةٍ وهم لا يتقون، وقد جعل غايةَ ذلك رجاءَ انتهائهم عن نكث أيمانهم وعهودهم، والتوقف عن الطعن في دينكم وجهادكم؛ فإن انْتَهَوْا فإن الله غفور رحيم، وإن لم ينتهوا فليس أمامكم مخرجٌ إلا الحسم معهم؛ ليخزيهم الله به، ويشفيَ صدور قومٍ مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، وإن ذلك الحزم سيكون سبباً في توبة الكثيرين منهم، ولسوف يتوب الله على من يشاء منهم، والله عليم حكيم.

أما الآية الثانية فَتُعاتِبُ المترددين في هذا التدبير، المتحرجين من ذلك التكليف؛ بسبب أن كثيراً من المقصودين بتلك الأحكام من آبائهم، أو أبنائهم، أو إخوانهم، أو أصهارهم، أو عشيرتهم، ولذلك فقد سَرَدَ المزيدَ من جرائمهم؛ تحريضاً على حسم الموقف منهم، فذكرتْ أنهم نكثوا أيمانهم، فانهارتِ المصالحة معهم، وبَيَّتوا إخراج الرسول، واستفزازه من بلاده، كما يحاولون اليوم إخراج الموظفين من مواقعهم، وإحلال المستنكفين الموالين لهم مكانهم، وهم الذين بدؤوكم بالإخراج، أو بالقتل أَوَّلَ مرة، حين ابتدعوا ما يُسَمَّى بالسلامة الأمنية؛ لحرمان أنصار المقاومة من لقمة العيش، وحين شَكَّلوا فرقةً للموت، وأطلقوا العَنَان للفَلَتان؛ وبَيَّتوا الانقلاب على شرعية تفوقكم في الانتخابات التشريعية.

وقد ختم الآية بسؤالٍ استنكاريٍّ تبكيتيٍّ عمَّا إذا كان التردُّدُ أو التحرجُ من هذا التكليف ناتجاً عن جُبْنٍ وخشيةٍ منهم، فإن كان الأمر كذلك؛ فالله أحقُّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، وقد قال لكم في أكثر من موضع: "فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ" سورة المائدة (3)، (44) وانظر البقرة (150).

ذلك أن المؤمنين إذا قال لهم الناس: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيماناً، وقالوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل.

إن المطلوب أن يُعْطى أزلامُ أوسلو والتنسيق الأمني مهلةً محددةً لرفع كل الإجراءات الكارثية عن غزة ولتكن الفاتح من فبراير القادم، وأن يقوموا بواجباتهم كلِّها، حتى لا نجترَّ تجربة اتفاق الشاطئ، وما قبلها من المصالحات المنقوضة منهم، وإذا انتهت المهلة، ولم ينتهوا؛ فالشعب والفصائل أحرارٌ في اتخاذ ما يرونه مناسباً؛ لانتزاع حقوقهم ممن يَتَماهَوْنَ مع الاحتلال في الرغبة في تجريد غزة من قوتها، وتركها نهباً للعدوان، كحال إخواننا في الضفة الغربية، وإنَّ كَيْدَ الشيطان كان ضعيفاً، وإن أوهن البيوت لبيتُ العنكبوت.

 

والله وليُّ المؤمنين

 

 



نواب الكتلة

النائب ناصر عبد الجواد

المزيد

النائب الشيخ حسن يوسف خليل

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية