دماءُ مسيرةِ العودة تُبَشُّرُ الصهاينةَ بِسيرةِ بني قُريظة
بتاريخ: 2018-04-04 الساعة: 10:09 بتوقيت جرنتش

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( دماءُ مسيرةِ العودة تُبَشُّرُ الصهاينةَ بِسيرةِ بني قُريظة )

 

]هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [

الحشر (2)

إن الهستيريا التي واجهتْ بها القوات الصهيونية مسيرة العودة تدلُّ على مدى ما يعتمل في صدورهم من الرعب؛ إذ إنَّ المسيرة كانت سلميةً مائةً في المائة، ومع ذلك فقد تمخَّضتْ عن خمسةَ عشرَ شهيداً، وقد يكون العدد مرشَّحاً للزيادة في مقبل الأيام؛ إما باستهدافاتٍ جديدة، وإما باستشهاد أحدٍ من ذوي الإصابات الخطرة، ممن يرقدون في العناية المكثفة، إضافة إلى أن عدد الجرحى قد وازى عدد الشهداء مضروباً في مائة؛ فهل أراد العدو بذلك أن يستبق المسيرة الكبرى في منتصف الشهر القادم في ذكرى ضياع فلسطين قبل سبعين من عجاف السنين، خاصة وأن الثور الهائج قد اتخذ تلك الذكرى ميقاتاً لنقل سفارته إلى مدينة القدس؛ تأكيداً عملياً لقراره الطائش بإهدائها عاصمة أبدية للاحتلال، وهذا أقرب إلى أن يكون عاصفةً على الصهاينة، غير أن المغفَّل ترامب قد أراد أن يخطب وُدَّهم في معركة الشرعية التي يوشك أن يُسْلَخَ منها، بعد أن تأكد أن تقدمه في انتخابات البيت الأبيض أو الأَسْوَد قد حاقتْ به شكوكٌ قوية أنه قد حصل بفعل التنسيق مع المخابرات المعادية الروسية.

وبالإياب إلى آية المقال؛ فإنها تحدثنا عن مظهرٍ من مظاهر قدرة الله، وعجائب قَدَره؛ فقد أخرج بني النضير الذين كفروا بِنبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لَهم الحقُّ، وقد كانوا من قبلُ يستفتحون به على أهل يثرب، بأنه قد أظلَّ زمان نبيٍّ سنتبعه، ونقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإِرَم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، وقد سبقهم الأنصار إلى الإيمان، فكانوا هم الغالبين.

إن الصحابة الأولين ما كانوا يظنون أن أصحاب تلك الحصون يُهزمون، ويقرِّرون القبول بقرار الجلاء والرحيل، أو مواجهة الحصار والقتل، كما أن اليهودَ أنفسَهم قد استبدَّ بهم الغرور حتى اعتقدوا أن حصونهم مَانِعَتُهم من بأس الله؛ فقد كانوا في قُرَىً محصنةٍ، ومن وراء جُدُر، كما كان فيها من الماء والغذاء ما يستطيعون به أن يصمدوا حَوْلاً أو يزيد، لكنها أيامٌ معدوداتٌ من الحصار حتى غزاهم الرُّعْبُ مُشْبِهاً القذائف التي تصيب الأفئدة، وكان الله عزَّوجلَّ بذلك قد أتاهم من حيثُ لم يحتسبوا؛ فإنه سبحانه يَحُولُ بين المرء وقلبه، وقد تكفَّل أن يلقيَ في قلوب الذين كفروا الرُّعبَ؛ بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً.

وفي هذه الأثناء كان الصحابة رضي الله عنهم قد تمكَّنوا من فتح ثغراتٍ في تلك الحصون، وحين تزلزلتْ قلوبهم، ورضوا بالنزوح، راحوا يُخْرِبون كثيراً من البيوت والحصون؛ حتى لا ننتفع بها من بعدهم، وقد ارتحلَ كثيرٌ منهم إلى أول أرض الحشر، وهي منطقة أذرعات بأطراف الشام، بينما ذهب بعض أكابر مجرميهم إلى خيبر.

والسؤال هنا: ما الذي اقترفه بنو النضير حتى استحقوا أن يخرجوا من المدينة مَذْؤُومِينَ مدحورين، عليهم لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين؟

ويتلخص الجواب في أنهم هَمُّوا بما لم ينالوا، فقد مكروا برسولنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، فأنجاه الله من القتل، كما تعهَّد بأن يُنَجِّيَ رسلَه والذين آمنوا، وقال: "كذلكَ حَقَّاً علينا نُنْجِ المؤمنين".(يونس 103)

وإذا كان هذا جزاءَهم لمجرد الهمِّ بالقتل؛ فكيف كان العقاب لو أنهم تمكَّنوا من قتله جدلاً؟!، هنا لابُدَّ من استحضار غزوة مؤتةَ التي كانت سبب مقتل الحارث بن عمير الأزدي حاملِ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاكم بصرى التابع لقيصر الروم، يدعوه فيها إلى الإسلام، ثم كانت من بعدها غزوة العُسرة، ثم كان جيش أسامةَ بنِ زيدٍ الذي عقد لواءَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأنفذه أبو بكر رضي الله عنه؛ رغم ارتداد معظم العرب، وأصبح الخطر يتهدد المدينة من كلِّ مكان.

هنا لابُدَّ من التذكير بأنه لمجرد شائعة مقتل عثمانَ بنِ عفانَ رضي الله عنه يوم الحديبية كانت البيعة تحت الشجرة؛ لتحويل المسيرة السلمية بثياب الإحرام إلى قرار مجابهة عسكرية، واعتبارها كمسيرة الأكفان، حين يستأسد السِّلميون، ويُقَرِّرون أن يعيشوا بعزة، أو أن يُقتلوا بكرامة، ما يجعل أعداءهم يُهزمون بالرعب، ويجنحون إلى الخضوع لمطالب الثائرين.

ولعله من المناسب أن أتساءل عن مصير بني قريظة؛ لمجرد نقضهم عهدَهم، وقبولهم بالانضمام للأحزاب يوم الخندق، وماذا عساه يكون عقابهم لو أنهم كانوا شاركوا في القتال؛ فقد عَذَّبهم ربُّهم في الدنيا، حين أنزلهم من صياصهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، وكان هذا – ولازال - هو حُكْمَ الله فيهم من فوق سبع سموات؟َ!!.

إنني لعلى يقين أن دماء شهداء مسيرة العودة، وأن نزيف جرحاها، قد أفضتْ إلى قناعةٍ عارمةٍ عند جمهور الشعب الفلسطيني، وكثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية، أنه لا مَفَرَّ من بيعةٍ جديدةٍ على شاكلة بيعة الرضوان؛ فإما أكرهتِ الاحتلالَ على رفع الحصار، وفتح المعابر، وإعادة الحاجات الإنسانية، وإيصال الموازنات إلى القطاع، أو فَلْينتظرْ مصيراً كمصير بني قريظة، أو زحفاً كغزوة العسرة، يُهزم فيها بالرعب مسيرة شهر، وحتى لو حصلت المجابهة فَرَضَاً، فسوف يكون مصيرهم كالذي خَرَّ من السماء، فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق.

 

وإنَّ وعد الآخرة وعدٌ غيرُ مكذوب، وهو آتيهم غيرُ مردود.

 

 



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب الشيخ حسن يوسف خليل

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية