قصة سيدنا يوسف في مصر تكاد تحاكي علاقتنا بها في هذا العصر
بتاريخ: 2017-09-26 الساعة: 09:31 بتوقيت جرنتش

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( قصة سيدنا يوسف في مصر تكاد تحاكي علاقتنا بها في هذا العصر )

 

]فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ [

يوسف (99)

إن سورة يوسف ترسم العلاقة بين مصر وفلسطين في زمن سيدنا يعقوب عليه السلام وبَنِيه، فقد كان فيهم آيات للسائلين، كما كان في قصصهم عبرة لأُولي الألباب، ولقومٍ يؤمنون، ولعل ما حصل في ذلك الزمان يُعين على فهم ما يجري بيننا وبينهم في هذه الأيام.

ذلك أن سيدنا يوسف عليه السلام قد اشتراه عزيزُ مصرَ وهو غلام من قافلة أخرجته من غيابة الجُبِّ إلى أن بلغ أشدَّه في قصر ذلك العزيز، فراودته امرأته عن نفسه، فاستعصم، وكان مخيَّراً بين أن يرضخ لرغبتها المحرَّمة، أو أن يُلْقَى به في السجن ملوماً مدحوراً، وعلى الرغم من ثبوت براءته إلا أنه قد أُودع السجن حتى حين، وكذلك الحال فإن الفراعنة الآخِرِين قد قذفونا بكثير من التُّهم لتسويغ إحكام إغلاق المعبر علينا، حتى فاق مكوثنا في سجن غزةَ عشرَ سنين.

ثم رأى الملك رؤيا لم يستطع أحدٌ من ملئِهِ تأويلها، حتى تذكَّر أحد زملاء يوسف عليه السلام في السجن أنه خبيرٌ بتأويل الأحلام، فزاره وعرض عليه ذلك المنام، فإذا به يتعلق باقتصاد مصرَ سبعة أعوام خِصاب، يتلوها سبعُ سنينَ عجاف، وبعدها يأتي عام، فيه يُغاث الناس وفيه يَعْصِرون.

وحين اطَّلع الملك على تأويل رؤياه، طلب أن يُحضروا يوسف له، فأبى أن يخرج حتى يحصل على البراءة، وأنه -بذلك الحبس-كان مظلوماً، وقد كان له ما أراد، ولما دخل على الملك، وكلَّمه قال له: إنك اليوم لدينا مَكينٌ أمين، فقد أراد أن يَسْتَخْلِصَهُ لنفسه، فإذا به يختار أن يكون على خزائن الأرض؛ ليضبط التموين في تلك السنين.

وكانت المجاعة قد أصابت المنطقة كلها، فاضطر أهل فلسطين أن يُحْضِروا الميرة والأقوات من مصر؛ كحاجتنا هذه الأيام لذلك، بعد أن حاصرَنا الاحتلالُ وأذنابُه.

هذا وقد ظهرت براءتنا بعد ضبط الحدود لدرجة استشهاد أحد المرابطين، وجَرْحِ بعض زملائه، وهم يَتَصَدَّوْنَ للمتشددين الراغبين في الانحياز إلى سيناء، فأيقنوا بحاجتهم إلينا، وقد يصبح جهاز الأمن في غزة لديهم مكيناً أميناً، فقد نَقَلَ الوفد المفاوض في الجولة الأخيرة أن وزير أمنهم قد تعهَّد بأن يكون راتب الموظفين في الأجهزة الأمنية مسؤوليته الشخصية أمام الحكومة الفلسطينية، وإنَّ غداً لناظره قريب.

وقد جرتْ ثلاث جولات من التردد على مصر من إخوة يوسف، ففي المرة الأُولى دخلوا عليه، فعرفهم وهم له منكرون، وكان قد أحسن ضيافتهم، وأَوْفَى لهم الكيل، لكنه اشترط عليهم في المرة القادمة أن يحضروا معهم أخاً لهم من أبيهم شرطاً لبيعهم الميرة، فإن لم يأتوه به فلا كيلَ لهم عنده، ولا يقربون مصر.

ومن أجل أن يتعجل عودتهم قال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم؛ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم؛ لعلهم يرجعون، وما أنْ رجعوا إلى أبيهم حتى قالوا: يا أبانا مُنع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نَكْتَلْ، وإنا له لحافظون، وقد تأكَّد صدقهم حين وجدوا ثمن الوجبة الأُولى قد دُسَّ في متاعهم، ولهذا فقد أخذ عليهم موثقاً من الله لَيَأْتُنَّه بولده بنيامين؛ إلا أن يُحاط بهم، وقد أوصاهم ألَّا يدخلوا من بابٍ واحدٍ، وأن يدخلوا من أبوابٍ متفرقة، وكأنه فهم من اشتراط مجيء أخيهم بنيامين أنها كانت رسالةً مشفَّرةً له، فأراد بتلك الوصية أن يتمكن يوسف من الانفراد بأخيه؛ ليبوح له بالسرِّ، ولهذا قال له: إني أنا أخوك، فلا تبتئس بما كانوا يعملون، وقد احتال لاحتجازه بأن جعل صواع الملك في وعاء أخيه؛ ولم يستجب لكلِّ التوسلات بأن له أباً شيخاً كبيراً، فَخُذْ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين.

وقد أفضى عدم رجوعه مع إخوته إلى أبيه أنِ ابيضَّتْ عيناه من الحزن، فهو كظيم، ورجا أن يأتيه الله بهم جميعاً، وما عليهم إلا أن يذهبوا، فيتحسسوا من يوسف وأخيه، وألَّا ييأسوا من روح الله، وفي المرة الثالثة سألهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذْ أنتم جاهلون؟!، وقد عرَّفهم بنفسه، وعفا عما صدر منهم في حقه، وتحققتْ بذلك المصالحة بين بني يعقوب أو بني إسرائيل، وهكذا فإننا نرجو أن تحتضنَ أرضُ مصرَ المصالحةَ الفلسطينية، وأن يجريَ التغافر لما كان من مؤامراتٍ ومجابهات، وأن يصبح الجميع كالبنيان المرصوص، يشدُّ بعضه بعضاً.

وبعد ذلك رجع إخوة يوسف عليه السلام يحملون قميصه دلالةً على العثور عليه، ولترتاحَ نفس أبيهم، فيرتدَّ بصيراً؛ تأهباً لدخول مصر آمنين، والإقامة بها أعزاءَ مكرَّمين، وهو ما تحدثتْ عنه الآية التي في ناصية المقال، فقد آوى إليه أبويه، وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، وهو ما نؤمله قريباً، بفضل الله ومشيئته، وإذا كنتم في ضَيْقٍ من الحصار فقد يقال لكم قريباً: اهبطوا مصراً؛ فإن لكم ما سألتم، وأنا على يقين أن الله سيتمُّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من العريش إلى الصعيد ما يخاف إلا الله، وبعض الذئاب على ماله، ولكنكم تستعجلون؛ فقد خُلق الإنسان من عجل، لكنَّ الله عز وجل يقول: ".. سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" الأنبياء (37)

كما أننا موعودون أن نَبْلُغَ بهذا الدين ما بلغ الليل والنهار، وأن نصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأن تعود الخلافة على منهاج النبوة؛ حتى نعودَ خيرَ أمة أُخرجت للناس، والأمةَ الوسطَ الشاهدةَ على الناس.

 

 وعسى أن يكون قريباً



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب الشيخ حسن يوسف خليل

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية