نكبة النكبات في الغفلة عن معالم التحرير في الآيات البَيِّنات
بتاريخ: 2017-05-17 الساعة: 09:23 بتوقيت جرنتش

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( نكبة النكبات في الغفلة عن معالم التحرير في الآيات البَيِّنات )

 

]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ   [

الأنبياء (105، 106)

إذا انتصف شهر أيار من كل عام تقوم المهرجانات، وتعقد الندوات، وتُدَبَّج المقالات، بمناسبة ما سُمِّي في حينه بالنكبة التي حَلَّت بفلسطين في عام 1948م، حيثُ تمكَّن الصهاينة من قضم أربعة أخماس فلسطين، وطَرْدِ أهلنا تحت وطأة المجازر من أكثر من خمسمائة قريةٍ ومدينة، وقد صاروا بذلك أحاديثَ، ومُزِّقوا كلَّ ممزَّق؛ ليكون فيهم آيةٌ لكل صبَّار شكور، كما حصل لسبأٍ حين أعرضوا عن شكر أَنْعُم الله، فأرسل عليهم سَيْلَ العَرِمِ، وبدَّلهم بِجَنَّتَيِهم جنتين ذواتى أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ، وشيءٍ من سِدْرٍ قليل.

هذا وإنه من الواجب أن نبحث في سُنَنِ الله عز وجل عن الأسباب التي أفضت إلى النكبة، وجَعَلَها تدوم قرابة سبعة عقود، ولا أظنُّ أن ينسلخ العقد الثامن حتى يكون الاحتلال قد حصل له الزوال؛ فإنه عاماً بعد عام في تقهقر واضمحلال.

ومن المعلوم أن فلسطين والمنطقة العربية قد ضاعتْ قبل قرنٍ كاملٍ، يوم تَقَاسَمَها الإنجليز والفرنسيون، ومعهم بعض الحكومات الصليبية الأخرى، فيما عرف باتفاقية (سايك-بيكو)؛ فما السبب في قدرة الصليبيين على العودة لاحتلال ديارنا بعد أكثر من سبعة قرونٍ حين كُسِرت شوكتهم في معركة حطين بجند الأيوبي صلاح الدين؟!.

إن الأُمِّيَّةَ قد بلغت بأجدادنا أن معظمهم لم يكن يعرف قراءة اسمه فضلاً عن كتابته، فهل يُرْجَى ممن هذا حالهم أن يكونوا أمةً وَسَطاً شهداءَ على الناس، فيكونوا جديرين بوراثة الأرض التي كتب الله أن يرثها عبادُه الصالحون؟!.

وقد حرص المحتلون أن يغزونا فكرياً، فوضعوا لنا مناهجَ لا تسمن ولا تغني من جوع، وأسوأُ ما فيها تزهيد الأمة في دراسة الدين واللغة العربية، وتجهيلنا بتاريخنا الإسلامي الناصع، فقد مسخه المستشرقون، فضلاً عن تعليمنا تاريخ الفراعنة، والثورات الأوروبية، وإذكاء القومية بديلاً عن الأُخُوَّةِ الإسلامية، مع نَشْرِ الإلحاد والشيوعية، والفلسفات البشرية التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر.

ثم استشرتْ الفكرة الناصرية الاشتراكية، ومن بعدها العلمانية الوطنية، واستبدتْ بالكثيرين الأفكار اليسارية، وبذلك نكون قد اقتحمنا حقبة التيهِ أربعين سنةً، قضم فيها الصهاينة ما تبقى من فلسطين، وثلاثة أضعافها معها في سيناء، والجولان، ووادي عربة بالضفة الشرقية؛ إلى أن تمكَّنتِ الدعوة الإسلامية من صناعة الصحوة الإسلامية التي تجلَّت في الاستعداد لمقاومة الاحتلال بالحجارة، ثم السكاكين، إلى أن أبدعتْ جيشاً من الاستشهاديين.

أما آية المقال فيقسم فيها سبحانه أنه كتب في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وأن في هذا لبلاغاً؛ أيْ لكفايةً موصلة إلى تلك الوراثة، لقومٍ عابدين؛ ذلك أن الذين يعبدون الله، ولا يشركون به شيئاً، ممن آمنوا وعملوا الصالحات، قد وعدهم ربهم بالاستخلاف، وتمكين الدين، وإبدالهم من بعد خوفهم أمناً، كما في الآية (55) من سورة النور.

وقد اخْتُلِفَ في المراد بكلٍّ من الزبور والذكر، والأرض والصلاح؛ ما المقصود به؟، والذي يهمني من كلِّ تلك التأويلات رأيُ من يقول بأن الزبور هو الكتاب المُنَزَّل على سيدنا داوود عليه السلام، وأن الذكر هو التوراة؛ فقد جعلها الله فرقاناً وضياءً وذكراً للمتقين، الذين يخشون ربَّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون، كما في نفس سورة الأنبياء (48/ 49)، وأما الأرض فهي أرض الشام، وفي القلب منها فلسطين، وأما الصلاح فهو يشمل الصلاح الدينيَّ والدنيويَّ؛ بأن يكون الوارثون أتقياءَ في دينهم، خبراءَ بشؤون دنياهم، فإذا فقدنا أحد الوصفين فهيهات أن نتمكن منها، ذلك أننا إذا فقدنا الإيمان، فَصِرْنا قوميين أو شيوعيين يساريين، أو حتى وطنيين غيرَ مؤمنين؛ فقد تساوينا مع العدو في فوات الوصف الأول، ويبقى التنافس على الوصف الثاني، ولا يماري أحدٌ في أن الصهاينة متفوقون علينا بمراحلَ في الصلاح الدنيوي، وعمارة الأرض زراعةً وصناعةً، وتطويراً للمرافق والخدمات، ولذلك فقد ورثوها في هذه الحقبة، فظهرت على أيديهم بركتها الدنيوية، غير أنهم عَلَوْا بالفساد عُلُوَّاً كبيراً، وهم الذين يُوقدون نار الحرب، ويسعون في الأرض فساداً، فأراد ربُّك لفلسطين المباركة للعالمين أن يتجمَّعَ فيها هذا الفساد؛ حتى تكون مقبرةً له، ولكنْ بأيدي عبادٍ لله أُولي بأسٍ شديد، يجوسون خلال ديارهم؛ أيْ يُحَطِّمون نُظُمَهم الأمنية، ويصلون إلى عمق كيانهم، ثم يتمكن بنو إسرائيل من تحجيم ذلك؛ بأن يحصلوا على المزيد من الأموال، والكثير من البنين، حين يأتون إلى فلسطين لفيفاً، ثم يعيد الكرة لعباده أُولي البأس الشديد، فيسوؤون وجوهَهم، كما حصل في المعارك الثلاث الأخيرة، ويدخلون المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة، ويُتَبِّرون ما علاه بنو إسرائيل تتبيراً.

لعل النكبة الكبرى في عدم فهم مداولة الأيام بيننا وبينهم من خلال سورة الإسراء، أو الجهل بمعالم التحرير، كما رسمتها قصة طالوت في سورة البقرة، أو بالعقاب بالتِّيه للذين يؤثرون الحلول السلمية، ويرفضون القتال، كما في سورة المائدة، أو لا يعرفون التجارة التي تُنجيكم من عذاب أليم، أو لا يعلمون سنة الاستبدال للذين لا يَنْفرِون خَفافاً وثِقالاً، ولا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وغير ذلك من المعاني التعبوية التي تحرِّض المؤمنين على القتال، لكنَّ حفظة القرآن، وخريجي المساجد، وأبناء الدعوة، قد وَعَوْا كل ذلك فأرى الله أعداءنا منهم ما كانوا يحذرون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

 

ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله والفتح القريب



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب الشيخ حسن يوسف خليل

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية