تصديق الشائعات، وجعل الأولويات للراتب قد يجلب علينا الهزيمة والمصائب
بتاريخ: 2014-06-10 الساعة: 08:05 بتوقيت جرنتش

تصديق الشائعات، وجعل الأولويات للراتب قد يجلب علينا الهزيمة والمصائب

بقلم النائب د. يونس الأسطل

] أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [

آل عمران (165)

كشفت العقبات التي جَدَّتْ في وجه الوفاق الوطني، وأُولى خطواته الحكومة المؤقتة، عن أمراضٍ فتاكة، تنذر بخطرٍ عظيم، فقد ظهر من حجم الشائعات التي تسري بين الناس سريانَ النار في الهشيم أن المجتمع غير محصَّنٍ فكرياً أو أمنياً؛ فإن كثيراً من الناس يتلقونها بألسنتهم، ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم، ويحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم، ومن المعلوم أن الحرب النفسية بالشائعات أخطر على جبهتنا الداخلية من العدوان العسكري، وقد لا ألومُ طوائف من الناس بمقدار ما أَعْتِبُ على أبناء الحركة الإسلامية، وأنصارها؛ إِذِ الواجب عليهم إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف ألَّا يذيعوا به، بل يردونه إلى أُولي الأمر منهم؛ ليعلمه الذين يستنبطونه منهم.

وهنا أتساءل: أليست قيادة الحركة الإسلامية منتخبة بطريقةٍ شرعية من قواعدها؟!، ثم هل تلك القيادة مستبدةٌ، أم محكومةٌ بالرأي الجماعي الشوري الذي يجعل مواقفها معبرة عن نبض قواعدها؟!، وهل ظهر في سلوكها وسياستها خروقات تَشِينُها دينياً أو تنظيمياً؟!, وهل نتخيل أنها يوماً يمكن أن تنقلب على أعقابها، فتكون ممن رضوا بالحياة الدنيا بديلاً من الآخرة، أو ممن اشتروُا الحياة الدنيا بالآخرة؟!، وهل تلك القيادة فوق المساءلة، فلا يملك أحدٌ أن ينصح أو يحاسب؟!، وهل هي قيادة دائمة حتى يأتيها اليقين، أم أنه بالإمكان إعفاؤها من المسؤولية عبر الانتخابات الدورية؟!، وهل فِعْلُها على الأرض في الدعوة والتربية والمقاومة يشير إلى همةٍ ونشاط، أم إلى إهمالٍ وتقهقر؟!، وغير ذلك من الأسئلة التي تذكرنا بقول الله تعالى عن الشائعات:

" لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ " إلى قوله تعالى: " وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ " النور (12-16)

إن هناك شائعةً كشفتْ عن ضعفٍ قاتلٍ في بنيان الحصانة الفكرية والإيمانية، وهي البلبلة التي صاحبت إنزال الرواتب للمستنكفين، كما يجري من سبع سنين، دون الموظفين المنتظمين الذين كانوا محسوبين على حكومة تسيير الأعمال في غزة، فقد أظهر الأكثرون قلقاً فاحشاً على انقطاعها، وأطلقوا ألسنتهم في أعراض إخوانهم الذين تفاوضوا للوصول إلى الوفاق وحكومته؛ بحجة عدم القطع في الاتفاق بالنصِّ على تحمل الحكومة الجديدة كلَّ الأعباء المالية، وفي المقدمة منها رواتب القطاع المدنية والعسكرية على حدٍّ سواء، وقد يكون لهؤلاء بعض العذر إزاء التصريحات التي تصدر من بعض أزلام الطرف الآخر، تلك التي تَنِمُّ عن إرادة الغدر، ويُشْتَمُّ منها رائحة المكر، ونحن لا نستهجن ذلك من الذين قد بدتِ البغضاء من أفواههم، وما تُخفي صدورهم أكبر، غير أن الحقوق قائمة على سنة التدافع، فهي تُنتزع انتزاعاً، ولا تُمنح منحاً، ولذلك فالإنجازات السياسية، أو الانتصارات السلمية، أثقل في الميزان من الحسم العسكري، أو إيجاف الخيل والرِّكاب.

وبالرجوع إلى آية المقال؛ فإنها تتساءل منكرةً على الصحابة الأولين يوم أُحُدٍ أن يتعجبوا من نزول الهزيمة بساحتهم وهم مؤمنون، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم!!؛ كيف ينقلب النصر في الجولة الأُولى إلى وعكة عسكرية، تلتهم سبعين شهيداً، وتتسبب في عشرات الجراحات؛ فضلاً عن فوات الغنائم، وهبوط الهيبة العسكرية، بما جَرَّأ بعض القبائل لاستدراجنا إلى ماء الرجيع، وإلى بئر معونة، فيذهب من الشهداء ما يربو على الذين ارتقوا في ساحة أُحُدٍ، بل إن منهم سبعين شاباً جلداً من حفظة القرآن الكريم، كانوا يُعرفون بالقراء؟!!.

إن الآية قد جعلت السبب الحقيقي لتلك الوعكة هو نفوسنا، فإنَّ الله جل وعلا لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما أنه سبحانه لم يَكُ مُغَيِّراً نعمةً أنعمها على قومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم، فقد قال لهم: " هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ "، وقد جاء هذا الإجمال مبيناً في آيةٍ سابقةٍ في نفس السورة، يقول فيها جل وعلا:

" وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " الآية (152)

إن هذه الآية تكشف عن أن انقلاب الكفة في ذلك اليوم كان بسبب أن عدداً محدوداً من الواقفين على جبل الرماة قد فشل في التزام التكليف العسكري بعدم النزول إلا حين يُؤْذَنُ لهم، مهما كانت نتيجة المعركة، ونازع قائدَه الميدانيَّ عبد الله بن جبير في تأويل ذلك التكليف، وعصى رغم نهيهم عن النزول، وكان الدافع إرادة الدنيا، والرغبة في نصيب من الغنائم؛ فقد أشفقوا أن تكون وَقْفاً على الذين جمعوها، دون من كان رِدْءاً لهم يحمي ظهورهم، ولذلك عاقب الله الجميع، فقد حَذَّرهم من سنته سبحانه في فتنته وعقوبته التي لا تقتصر على الذين ظلموا منهم خاصة، فإنما هم كَرُكَّابِ سفينةٍ إذا خرقها أحدهم على حين غفلةٍ من أهلها غرق جميع مَنْ فيها، ويُبْعثون يوم القيامة على نِياتهم، والذي تولى كبْرها منهم له عذابٌ عظيم، فقد تسببَّ بخطئه في إنزال الموت أو الأذى بالجميع.

إنه من المعلوم أن أعداء الله من شياطين الإنس يُبَيِّتونَ الانقضاض علينا في قطاع غزة، بعد أن نجحوا مؤقتاً في الانقلاب على الحرية وخيار الشعوب في دول الربيع الإسلامي؛ زاعمين أن الثورة السلمية، والإسلام الوسطى، أخطر عليهم من المشروع النووي الإيراني، ولم يَبْقَ في المنطقة إلَّا غزة التي يرونها عُشَّ الدبابير أو الزنابير، ولا بُدَّ من القضاء عليها بأيِّ ثمن، ولعل التلكؤ في تطبيق الوفاق، أو صناعة العقبات في  وجهه، يكشف عن رغبةٍ في تحميلنا مسؤولية إفشاله، حين نضيق ذرعاً بخروقاتهم، فنعود عن المضِّي فيها، فيتهموننا بالتمرد، ويستنفرون شياطين الأرض لاستفزازنا منها، ولن يرهبنا ذلك، ولو الْتقى علينا مَنْ بأقطارها، ما لم تكن أخطاؤنا في حُبِّ الدنيا، والتباكي على الرواتب، والتأثر بالشائعات، وغير ذلك من المخالفات هي التي تعرضنا لسنة الله في الإخفاق العسكري، بما يبلونا بنقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات.

ولا بُدَّ أن نسأل أنفسنا: هل مشكلتنا في تعثر الرواتب، أم في الاحتلال الذي دنَّس المسرى، وعذَّب الأسرى، ومضى في التهويد مستعيناً ببعض العبيد من بني جلدتنا، حتى صارت أرضنا المقدسة، وديارنا المباركة للعالمين، مسرحاً للفساد، وسفك الدماء، وإيقاد نار الحرب في كثير من بقاع الأرض، وأن القول الثقيل، والأمانة الكبرى، تقتضي أن نتجرد لوجه الله والدار الآخرة، وأن نبيع النفس والنفيس لله بأن لكم الجنة تقاتلون في سبيل الله، فَتَقْتُلون وتُقْتَلون، وأن نكون كالرِّبِّيين الذين ما وَهَنُوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضَعُفُوا، وما استكانوا، بل صبروا، واستغفروا، وتضرعوا إلى الله بالثبات والنصر، فآتاهم الله ثوابَ الدنيا، نصراً وأمناً وسلطاناً، وحُسْنَ ثواب الآخرة مغفرةً وجنةً عرضها السموات والأرض، أُعِدَّتْ للمتقين.

ولينصرنَّ الله مَنْ ينصره



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب المعتقل محمد محمود حسن أبو طير

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية