انسلخت الأشهر التسعة ولا زالت الانهزامية سياسة المنافقين أمام الشرذمة اليهودية
بتاريخ: 2014-04-13 الساعة: 08:47 بتوقيت جرنتش

انسلخت الأشهر التسعة ولا زالت الانهزامية سياسة المنافقين أمام الشرذمة اليهودية

النائب د. يونس الأسطل

] وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ . طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ  [

محمد (20، 21)

بعد عشرين عاماً من التفاوض الصوري مع الاحتلال؛ كان أزلام أوسلو قد أحرقوا فيها كلَّ السُّفن، فإذا بهم يتعلقون بقشة (كيري)، وقد مَنَحوا أنفسهم مهلةً إضافية، مدتها القصوى تسعة أشهر، آملين أن يحصلوا منه على إنجازٍ، ولو في حجم بيضة العصفور؛ كالتفضل بإطلاق قدامى الأسرى الذين سبق اختطافُهم اتفاقيةَ أوسلو؛ وقد ناهز كثير منهم ربعَ قرن في الأصفاد؛ فإذا بالاحتلال يقسمهم على أربع وجبات؛ ليقبض ثمناً نَفِيساً مع كل مجموعة، كغضِّ الطَّرْفِ عن سياسة الاستيطان والتهويد، أو الاندفاع بقوة في التعاون الأمني، وكان من آخر تجلياته شهداءُ جنين في الذكرى العاشرة لاغتيال الشيخ ياسين شهيد فلسطين، بل شهيد المسلمين أجمعين.

ولم يكن مفاجئاً أن يعلن كيري اليهوديُّ الأصل عن الاصطدام بالجدار، والإفضاء إلى طريق مسدود، مُحَمِّلاً الفريقين المسؤولية على قدم المساواة؛ متوعداً بقطع الدعم عن السلطة العباسية، دون توجيه أيِّ عتاب للصهاينة، ولذلك فقد أقدم الاحتلال- وبمباركة من كيري- على إلغاء الحِفْنة الرابعة من المعتقلين، وطُرحت بعض الأفكار بشأنهم؛ مثل إغراء أمريكا الاحتلالَ بالمضي في إجراءات الإفراج عنهم في مقابل الجاسوس الصهيوني (بولارد)، غير أن معظم الشعب اليهودي يرفض أصل هذه الفكرة؛ حتى لا يكون للقضية الفلسطينية أيُّ دور في الوساطة بين الاحتلال وحاضنته أمريكا؛ لتظل مسألةً داخلية، لا أثر لها في السياسة الدولية؛ حتى لو ظلَّ الجاسوس المذكور في السجن، أو لبث فيه بضع سنين أخرى؛ فاليهود في حقِّ الأسرى يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، كما في سورة البقرة، الآية (85).

إن آية المقال تتحدث عن دركة الانهزامية والجبن والخور عند المنافقين، ولا عجبَ في ذلك؛ فإنهم لمَّا كُتِبَ عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله، أو أشدَّ خشية، وقالوا: ربَّنا لِمَ كتبتَ علينا القتال، لولا أخَّرتَنا إلى أجلٍ قريب، ومن هنا فإن هذه الآية تخبر ابتداءً عن تطلع المؤمنين الصادقين إلى نزول سورة تكلفهم بالجهاد في سبيل الله، فإذا نزلت تلك السورة، وتضمنت وجوب النفير؛ رأيت المنافقين وقد زُلزلوا وفَزِعوا، كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون، فإن أبصارهم قد زاغتْ، فهي تدور يميناً وشمالاً أشبه ما يكون بمن يكون في غمرات الموت، وقد رأى الملائكة التي جاءت لِتُخْرِجَ روحه إلى الحلقوم، ثم يتولى ملك الموت انتزاعها في اللحظة الأخيرة؛ إذْ إن بصره يدور عن اليمين والشمائل بحسب حركة الملائكة من حوله.

ما أشبه هذه الصورة بتلك التي تجسدت-من رعبهم- عملياً يوم الأحزاب؛ حتى إنهم ظلوا يَفْرَقُونَ من الأحزاب بعد رَدِّهم بغيظهم لم ينالوا خيراً، وفي ذلك يقول سبحانه:

".. فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ .." الأحزاب (19)

ومما يشهد بانهزام نفوس المنافقين والذين في قلوبهم أنهم قالوا يوم بدر: " غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ " الأنفال (49)، وفي أُحُدٍ رجع فوق ثلاثمائة من منتصف الطريق، متذرعين بقولهم: ".. لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ .." آل عمران (167)، وأما عند المسير للحديبية فقد ظنوا-كما ظن المخلَّفون من الأعراب- أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزُيِّن ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنَّ السَّوْء، وكانوا قوماً بوراً؛ كما في سورة الفتح (12)، وكان من دَيْدَنِهِم أن يستأذنوا في القعود متعذرين حيناً بأن بيوتهم عورة، وما هي بعورة؛ إن يريدون إلا فراراً، أو أنهم يخافون من الافتتان بنساء بني الأصفر، فيرتكبوا الفاحشة، مع أن التوليَ يوم الزحف من الموبقات، بينما باطن الإثم من مطلق الكبائر، وقد يتسللون لِواذاً هاربين من الميدان دون استئذان، وهم الذين حين نُهُوا عن الولاء لليهود والنصارى؛ راحوا يسارعون في التعاون الأمني معهم قائلين: نخشى أن تُصيبنا دائرة، وقد جاء الله بالفتح، فأصبحوا على ما أَسَرُّوا في أنفسهم نادمين، غير أنهم لم يتوبوا حتى أزهق الله أنفسهم وهم كافرون، وظهر أمر الله وهم كارهون.

إن هذه الانهزامية متأصِّلة في اليهود، كما هي صفة لازمة للمنافقين، فهم الذين قالوا لسيدنا موسى: اذهب أنت وربُّك فقاتِلا؛ إنا ههنا قاعدون، ثم لمَّا كُتب عليهم القتال في عهد نبيِّ من بعد موسى تَوَلَّوْا إلا قليلاً منهم، فلما حَذَّرهم طالوت عليه السلام من الشُّرب من النهر شربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزوه هو والذين لم يشربوا قال أكثرهم: لا طاقة لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه، ولكنَّ قلةً من تلك القلة هم الذين هزموا جالوتَ وجنودَه بإذن الله، ويكفي أننا –بالنسبة إلى الفريقين- أشدُّ رهبةً في صدورهم من الله؛ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون..

وثالث الثلاثة في الانهزامية والضعف النفسي مشركو العرب، وكفرة قريش؛ فقد تكفَّل الله جل جلاله أن يلقي في قلوبهم الرعب بما أشركوا بالله ما لم يُنَزِّلْ به سلطاناً، وقد رفضوا الدخول في الإسلام ابتداءً خشية أن يُتَخَطَّفُوا من أرضهم، وفي يوم الحديبية لم يجرؤوا وهم في أقوى سلطانهم أن يقاتلوا ثُلَّةً من المُحْرِمينَ الذين لا يحملون إلا سلاح الراكب؛ وراحوا يبايعون تحت الشجرة على الثبات والثأر والشهادة،فجنحوا إلى السَّلْم، واشترطوا أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين، وبعد عامين، أو دون ذلك؛ كنا ندخل عنوةً دون مقاومة، وصارت مكة عاصمة إسلامية، وإلى قيام الساعة إن شاء الله.

لن يتسع المقال لتفصيل أكثر، لكنَّ مصيبتنا في المنافقين أنهم يحاكون اليهود في الحرص على الحياة أَيِّ حياة، وإنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وإن الوَهْنَ هو حبُّ الدنيا، وكراهية الموت، وهذا هو سِرُّ تداعي الأمم علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، غير أن الله تعالى قد أغاثنا بقليلٍ من الآخرين يظنون أنهم ملاقو الله، فهم يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، وهم الطائفة المنصورة في كتائب القسام، ومن معهم من المجاهدين، ومن وراءهم من الصابرين المصابرين المرابطين المتقين.

والله غالب على أمره



نواب الكتلة

النائب د. جميلة عبد الله الشنطي

المزيد

النائب المعتقل محمد محمود حسن أبو طير

المزيد
الشبكة الإجتماعية
القائمة البريدية